
–هل جرّبت مرةً أن تمرّ بمستنقعٍ طينيّ و تعلق رجليك ثم تخرج و تحاول تنظيف ما علق بها أو بحذائك – أعزّك الله – لكن ثمّة ما يبقى عالقاً بها يأبى الانصياع لعوامل التنظيف جميعها ؟
– و هل تتذكر أول مقلبٍ مرّ بك في حياتك و لازال شعورك به يراودك كلما تذكرته ؟
– هل تسترجع رائحةً ما تعيدُ لك ذكرىً لا تودّ استرجاعها ؟
– أتزيدُ يا ترى نبضاتُ قلبك حينما تسمع صوتاً ما ليعيد لك موقفاً حدث منذ زمنٍ بعيد ؟
حينما نكبر نظن أنفسنا أننا قد نضجنا، و نعتقد بأن الأشياء بمجرد رحيلها بغياب تلك السنين والمواقف تنتهي ، و الحقيقة الغائبة هي “ ليست جميعها تمضي “ ! . فعندما كنا صغاراً و نتعثر أو نسقط كانت تلك الكلمات التي نسمعها من أفواه الكبار
” تكبر و تنسى ” ! كفيلة بأن تجعلنا نستمر ظناً منا بأننا فعلاً سننسى ، لكن الحقيقة هي ليس كل شيء ” يُنسى ” !
هناك العديد من مواقف الطفولة أو حتى مراحل أخرى من حياتنا مررنا بها ، ظلّت ” عالقة ” في مكانٍ ما فينا ، إمّا في ذاكرة الصورة أو السمع أو الشمّ ، لكنها جميعاً تبقى ضمن عوالق الشعور التي نشعر بها بمجرد مرورنا بموقفٍ مماثلٍ لها يحفّز تلك الذاكرة النائمة لتستيقظ فجأة و تخبرنا بأن ثمة ما لم يتوانى عن الغياب !
و لهذا السبب، لربما فجأة قد يعود بعض البشر إلى نسخٍ قديمة من أنفسهم في لحظات ما لمجرد مرورهم بموقف موازي ، فقد يصبح الشخص الناضج الذي كان يعتقد أنه تجاوز الماضي إلى طفلٍ خائف ، وقد يتحول الإنسان القوي إلى شخص مرتبك لمجرد أنه مرّ بتجربة مشابهة ، وقد يرتبك أحدهم من نبرة صوتٍ مرتفعة ؛ لأنها تشبه بيتاً قديماً كان يعيش فيه الخوف كل يوم.
هل عوالق الشعور نتيجة تجربة شخصية ؟
إن عوالق الشعور قد لا تكون نتاج تجربة شخصية بحتة ، بل قد تكون توارثاً جينياً أو محيطياً تربوياً ، فالخوف ينتقل أحياناً بالتربية، والقلق يُورّث عبر تكرار سلوكٍ معين ، والألم الذي لم يُعالج في حينه قد يظهر في طريقة الاحتواء أو العقاب أو الحماية الزائدة.
فمثلاً ، الأب الذي عاش الحرمان قد يربّي أبناءه على الخوف المستمر من المستقبل أو العكس ، قد يسرف على أبنائه في العطاء مما يولّد عندهم عوالق شعور أن لا شيء ينضب ! والأم التي لم تشعر بالأمان قد تُغرق أطفالها بالقلق دون أن تشعر.
لكن الإنسان الناضج بعد مرور السنوات ، يحلّل تلك المواقف ، و يبدأ في رحلة الغور في ذاته ليحاول العلاج، أو الانشغال، أو الإنكار، أو حتى إعادة بناء نفسه بالكامل. لربما قد ينجح فعلاً في أن يصبح أكثر اتزاناً، وأكثر وعياً، لكنه يكتشف أن الاستشفاء ليس عملية حذف كاملة، بل عملية تخدير مؤقتة للألم أو حشره في زاويةٍ ما . ذلك أن بعض المشاعر لا تختفي، وإنما تكون هادئة و خاملة لفترات أطول.
ماذا عن عوالق الفكر ؟
هل جرّبت أن تنظف مكانٍ ما بمنشفةٍ جافة من الغبار و يعود الغبار في كل مرة ؟
لربما هذه هي أقرب ما تكون لصور عوالق الفكر . فعوالق الفكر هي تلك الأفكار ، و التساؤلات ، و القرارات أو حتى ردات الفعل التي عاشها العقل و الفكر في لحظاتٍ ما و ظنّ الشخص بأنه تخلص منها بينما الحقيقة بأنه ” أرشفها ” !
فلا يمكن للعقل أن يحذف تساؤلاً ظل عالقاً دون إجابة ، أو فكرةٍ ما دون أن يُسمع صداها ، أو قرارٍ تم الاستهانة به وتقريع مصدره ! لذا ، تتخفّى تلك الأشياء على شكل ” عوالق ” فكرية ، متى ما وجدت لها جمهوراً مشجعاً و صوتاً مدوياً ظهرت على شكل حشدٍ شعبيٍ هائل من الكلمات لمن يفهمها .
كيف نحمي أطفالنا من عوالق الشعور؟
لا نستطيع أن نمنع أطفالنا من خوض جميع التجارب المؤلمة، فالحياة بطبيعتها لا تخلو من العثرات، لكننا نستطيع أن نمنع كثيراً من تلك التجارب من أن تتحول إلى عوالقٍ تلازمهم لسنوات. يبدأ ذلك حين نمنح الطفل حقَّه في الشعور قبل أن نطالبه بالتجاوز، فنستمع إليه دون استهزاء، ونسمي مشاعره بأسمائها، ونمنحه الأمان ليعبّر عنها بدلاً من دفنها. كما أن اعتذار الوالدين عند الخطأ، والابتعاد عن الإهانة والسخرية والتخويف والمقارنات، يخفف من ترسب المشاعر المؤلمة في أعماقه. وحين يخطئ الطفل، فليكن تقويمنا لسلوكه لا لذاته؛ لأن الطفل قد ينسى تفاصيل الموقف، لكنه كثيراً ما يحتفظ بالشعور الذي تركناه فيه. لذلك، فإن أعظم ما نقدمه لأطفالنا ليس حياةً خالية من الألم، وإنما علاقةً آمنة يعودون إليها كلما تعثروا، فتجد مشاعرهم من يحتضنها قبل أن تتحول إلى عوالقٍ تسكن أرواحهم وأفكارهم.
فما الحل مع عوالق الشعور و الفكر ؟
إدراك هذه العوالق لا يعني الاستسلام لها، معرفة الانسان بها هي أول خطوة لتفكيك قيوده منها ، بيد أن تلك العوالق تبقى ندوباً في شعوره و فكره تنمو معه ، فليس مطلوباً من الإنسان أن يصبح خالياً تماماً من الندوب ؛ لأن الأرواح لها ندوبها الخاصة أيضاً ، لكن المهم ألا تتحول تلك الندوب إلى سائقٍ خفي يقود حياته كلها و ينسب فشله العاطفي و العملي لتلك العوالق ، أو يأخذ تلك العوالق ذريعةً لسلوكياتٍ و ردات فعل تجاه الآخرين.
بقلم : خلود أحمد
