الخيال : ترفيه أم حاجة أو نتيجة ؟

الخيال هو ملكة عقلية تتيح للإنسان تكوين صور، أفكار، ومفاهيم غير موجودة في الواقع المباشر و هو القدرة على استحضار المحسوسات الغائبة أو ابتكار سيناريوهات وأشياء جديدة كلياً من نسج العقل. و عند تعريف الخيال في الأدب والفن: فهو أساس الإبداع في كتابة القصص، الروايات، والشعر، حيث يُقصد به الأعمال المبنية على الإبداع لا على الحقائق الواقعية المطلقة.

جميعنا نوظّف ملكة الخيال بالطريقة التي نحب أو تناسب حياتنا و معطياتها ، فمنّا من يرسم عالماً وردياً يطمح لأن يكون فيه ، و آخر يتخيل كي يحلّ مشكلةً حلّت به ، أو هناك حتى من يتخيّل سيناريوهات كفيلة بولادة عقلية متيقظة للمفاجآت و قادرة على إدارتها .

لكن السؤال : هل الخيال ترفيه أم حاجة أو نتيجة ؟

في رواية ” شجرتي شجرة البرتقال ” للكاتب البرازيلي خوسيه ماورو ، يظهر بطل الرواية “زيزا” في قالب الطفل المكتشف و الذي يعيش في خياله . تعرض القصة الخيال بثلاث أشكال : ترفيه و حاجة و نتيجة ما يجعلنا نحلّل ملكة الخيال من عدة جوانب . فالطفل زيزا يراه الآخرون على أنه طفل مزعج و سيء و كثير المشاكل ، و يظهر نتيجة لتلك المعطيات خياله في رسم عالم يقدّره و يحبه من الأشجار التي تحيطه . بينما افتقاده للأمان و الحب و الإحتواء جعله يصنع بطلاً يلجأ إليه كلما احتاج للحديث و الدفء و الحنان و هي شجرة البرتقال !

شجرة البرتقال و بورتوغا

بين شجرة البرتقال و البرتغالي “بورتوغا ” خلق الطفل زيزا له مساحة آمنة ، و بيئة وظّف فيها كل العناصر التي تعوّض النقص الذي يحتاجه . لم يكن بورتوغا يسخر من خيال الطفل أبداً ، بل على العكس كان يحاكي خيالاته كنوع من مجاراة تلك الحاجة، و هذا يدفعنا للتفكير في حقيقة خيالاتنا ابتداءً من مرحلة الطفولة و حتى النضج .

فمن خلال تلك الخيالات التي يطرحها الطفل ، يمكننا تحليل مخاوفه ، مشاعره ، نظرته للأشياء من حوله ، و آراؤه في الكثير من المواضيع من حوله . إنّ الخيال يعزز مهارات كثيرة عند الطفل مثل حل المشكلات و التفكير الإبداعي و حتى المهارات الفنية ، حيث تنشأ مهارة الشاعر أو الأديب الكاتب أو حتى الرسّام من تلك الخيالات التي ولّدتها مخيلته. فكم من شاعرٍ كتب قصائد  غزلية في إمرأةٍ لم يلتقيها قطّ و لا حتى رأته عينيه ! و كم من كاتبٍ كتب عشرات الروايات و القصص من خيالٍ محض.

الانتقال من الواقع إلى الخيال

في التصارع الروائي الذي طرحته رواية شجرتي شجرة البرتقال ، نجد الطفل زيزا ينتقل من كونه طفلاً مشاغباً إلى الهدوء الذي سكنه ، و ما كانت تلك الرحلة إلاّ التناوب للحصول على حاجات الطفل الأساسية من حبّ و إحتواء . و في تلك الرحلة انتقل البطل زيزا من حاجته لذلك الحبّ إلى رحلةٍ في خيالات إلى اكتشاف معنى الحبّ في علاقته بشجرة البرتقال و انتمائه لها.

في بداية الرواية، يحاول الطفل أن يجد مكانًا له في عالم لا يفهمه. ثم يجد في الخيال صديقًا، وفي بورتوغا علاقة تمنحه الحنان والقبول. ومع التجارب والخسارات، يبدأ في إدراك أن الحب يمكن أن يغير الإنسان، لكنه أيضًا يمكن أن يجعل فقدانه أكثر ألمًا.

و من هنا يتضح أثر الرواية في صناعة جغرافيا النضج المبكر ، ابتداءً من بذرة الخيال و انتهاءً بالنضج ، و لم يكن النضج إلا نتيجةً لتلك الحياة و الظروف التي عاشها زيزا و أجبرته الحياة عليه. و هنا يراودنا سؤال مهم :

هل الطفل المرفّه و الذي سُدّت احتياجاته دون نقصان يمتلك ملكة الخيال ؟

هنا يتغير منظور الخيال من الحاجة إلى الترفيه ، و من النتيجة إلى البذخ ، لكن في هذه الحال كيف يمكننا تغذية خيال الطفل ؛ ليصبح قادراً على التخيّل بطريقة إبداعية دون قيود الترفيه أو حدودٍ لآفاق الخيال ؟

حكاية شجرتي شجرة البرتقال

رواية شجرتي شجرة البرتقال ضمن سلسلة زيزا ، ليست مجرد رواية بحبكة اجتماعية ، و إنما هي رواية  لها أبعاد تربوية عميقة و التي أبدع فيها الكاتب بلغة تصل لقلب القارئ حتى تؤلمه ، فلقد تم ترميز المفاهيم في الرواية بشكلٍ يجعل القارئ يطرح العديد من التساؤلات المختلفة . فمثلاً كانت الشجرة هي رمز للخيال و بورتوغا هو الحب و الفقر هو البيئة الضاغطة و العنصر المسبّب لسلوكيات البطل زيزا .

و بالرغم من أن زيزا كان طفلاً ، إلاّ أنه رمز لكل واحدٍ منا ، فصورتنا ليست تلك الصورة التي يراها بالضرورة الآخرون ، بل ربما نخفي في داخلنا عالمًا كاملًا من الأسئلة والاحتياجات والمخاوف والأحلام.

ولعل أقسى ما تقوله الرواية، وأجمله في الوقت نفسه، هو أن طفلًا واحدًا قد لا يحتاج إلى تغيير العالم كله؛ قد يحتاج فقط إلى شخص واحد ينظر إليه بطريقة مختلفة.

ما الخيال الذي لازلتم تذكرونه من مرحلة الطفولة ؟

بقلم : خلود أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *