بين رسوم الطيبين و زمن الفردانية

الرسوم المتحركة القديمة لم تكن يوماً تعني لي مجرد ذكريات ، بل كانت و لازالت حلقة وصلٍ بين الماضي الجميل و حاضراً يتوق لسماع لغةٍ فصيحة تنضح منها كل المعاني و القيم و المبادئ التي اشتقنا لها . أحببتُ فكرة أن أمارس هواياتي كالرسم و التطريز و التلوين و التشكيل و شيئاً من ذلك الماضي يكون بمثابة موسيقى الحنين تزيّن لحظاتي . شيئاً ما لاحظته و أنا أشاهد رسوم المتحركة القديمة لربما لم ألاحظه أو لربما سنّي المستمتع باللحظة لم يسعني لأكتشف ما اكتشفته في كبري ، ذلك أن الرسوم القديمة كانت جميعها تدعو لقيم و ثوابت لا تتغير بتغير القصة أو الشخصيات أو الرسوم المتحركة.

لم تكن الرسوم المتحركة التي شاهدها جيل الثمانينيات والتسعينيات مجرد وسيلة للترفيه وقضاء الوقت، بل كانت تقدم قصصًا عن الحياة، والعلاقات الإنسانية، والصداقة، والخوف، والشجاعة، والاختيار بين الصواب والخطأ. وهنا تكمن أهمية تحليل هذه الأعمال؛ إذ يمكن تحليلها بوصفها نصوصًا ثقافية وتربوية تقدم نماذج للسلوك الإنساني، وتتيح للطفل فرصة التأمل في القيم والعلاقات والنتائج المترتبة على القرارات و هذا ما لم ألحظه في طفولتي . لكن ثمة بون شاسع بين أن تكون القصة بمجملها تحمل في طياتها قيماً غير واضحة و أخرى أن تكون القيم مباشرة في القصة ، و على الصعيدين فالقيم لازالت موجودة .

في بداية طفولتي كان “سندباد ” هو أول رسوم لربما شاهدته ، رغم أنني كنت لا أحب تلك الخيالات فيه ، لكن ذائقتي على ما يبدو تطورت إلى ” السيارة بومبو” و “ السيدة ملعقة ” و ” ابنتي راوية ” . كل تلك الرسوم المتحركة ما لاحظته فيها تدعو إلى مساعدة الآخرين مهما يكن ، و تلك الرسالة المباشرة ليست محض درس تربوي فقط ، بل إنما هي تأصيل للمبادئ المجتمعية آنذاك .

إلى جانب قيمة مساعدة الآخرين ، فهناك العديد من القيم والمبادئ التي تأصّلت في الجيل بواسطة ما بثّه التلفاز من برامج و رسوم متحركة كالتواضع و عدم الحكم على الآخرين و الرحمة و التعاطف . و عندما ركزت ملياً في الرسالة الحقيقية في ثلاث رسوم : سندباد ، السيارة بومبو و السيدة ملعقة ،

راودتني أسئلة :

–     رسوم سندباد :

·        هل يتدخل سندباد لمساعدة الآخرين رغم وجود الخطر في العديد من المواقف؟

·      هل يساعدهم لأنه يتوقع الحصول على مكافأة، أم لأنه يرى أن مساعدتهم أمرٌ واجب؟

·      هل يفكر في عواقب تدخله أم رغبته الملحة في المساعدة تنسيه العواقب؟

–     رسوم السيدة ملعقة :

·        هل تحترم الشخصيات بعضها رغم اختلاف قدراتها ذلك أن السيدة ملعقة تصغير و هناك أيضاً الحيوانات المختلفة ؟

·      هل تتعامل مع الشخص المحتاج للمساعدة باحترام؟

·      هل تُقدم المساعدة بطريقة تحفظ كرامته مثل المواقف العديدة للفقراء ؟

–     رسوم السيارة بومبو :

·      هل تستجيب لمساعدة الآخرين كما يرغبون ؟

·      ما نسبة الإيثار التي تقدمها من أجل مساعدة الآخرين ؟

لم تكن تلك الأسئلة مجرد تساؤلات طرحتها عند مشاهدة الرسوم ، بل كانت بمثابة التحليل و الدراسة النقدية للمحتوى الذي لازال عالقاً فينا عاطفياً قبل أن يكون تاريخاً و ماضياً نحنّ إليه . فلماذا لازالت تلك الرسوم عالقة في الذاكرة ؟ هل لأنها الطفولة الغائبة عن الوعي و الإدراك بتعقيدات الحياة التي نحاول الهروب منها ؟ أم لأنها أداة اختبارٍ لذاكرةٍ نفض غبار الزمن عليها نفسه ؟ أو لأننا نبحث عن ما نفتقده في الواقع في تلك الرسوم؟

قد يدفعنا الحنين إلى الاعتقاد بأن كل ما كان قديمًا أكثر عمقًا وقيمة، لكن المقارنة الموضوعية تحتاج إلى قدر من التريث. فالرسوم المتحركة القديمة لم تكن جميعها متشابهة في رسائلها، كما أن الأعمال الحديثة ليست جميعها سطحية أو خالية من القيم.

والسؤال الأهم ليس: أيهما أفضل، القديم أم الحديث؟ بل كيف تُقدم القيم في كل منهما؟

هل تُمنح الشخصيات فرصة للتفكير واتخاذ القرار؟ هل تُعرض نتائج أفعالها بوضوح؟ هل تحترم القصة مشاعر الطفل وقدرته على الفهم؟ هل تشجع على التعاون والتعاطف، أم تجعل القوة والانتصار المعيار الوحيد للنجاح؟ وهل تسمح للطفل بالتفكير النقدي، أم تكتفي بتقديم إجابات جاهزة؟

شاهدت بعضاً من ما يعرض على الشاشة الحالية للأطفال ، و قارنت بينه و بين تلك الرسوم و وجدت فرقاً شاسعاً في المحتوى ، فالثانية ما هي إلى أداة تبرر الوسيلة للوصول للغاية ، و الهدف الواضح هو تحقيق النجاح بمفاهيم مادية بحتة خالية من القيم و المبادئ ! فكيف يُلام الجيل الحالي على السمات المستحدثة كنتاج لتلك الأعمال ؟!

لعل من أكثر الأسئلة التي تفرض نفسها عند استعادة رسوم الطفولة القديمة: ماذا حدث للقيم التي كانت تجعل مساعدة الآخرين أمرًا بديهيًا في كثير من حكاياتنا؟ ففي الوقت الذي كانت فيه بعض قصص الأمس تحتفي بالبطل الذي يغامر من أجل صديقه، ويقتسم ما يملك مع المحتاج، ويقدم مصلحة الجماعة على راحته الشخصية، نعيش اليوم في عالم تتسع فيه المساحة الممنوحة للفرد واحتياجاته ورغباته، حتى أصبح الحديث عن الذات وتحقيقها وحماية حدودها حاضرًا بقوة في ثقافتنا اليومية ، و من هنا نفهم فكرة وجود ” الفردانية ” المروّج لها بطرق مباشرة و غير مباشرة .

لربما لا نحتاج أن نقف على الأطلال أو نلوم الجيل الحالي ، بل على العكس ، نحن في أمسّ الحاجة لاستعادة روح الماضي بلباس الحاضر ، تلك الروح الإنسانية النقية  التي ما هي إلاّ مساحة مشتركة تتسع للتعاون والتراحم وتقاسم المسؤولية.

ماذا عنكم ، أي رسوم كنتم تفضلونه ؟ و ما القيم التي لازالت عالقة بكم منها ؟

خلود أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *